ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
583
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
( تعالى ) وعند الملائكة المقرّبين ، فلو تفكّرت في حسرتك وحيائك وخجلتك وخزيك يوم تحمل سيئات من استهزأت به وتساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ، ولو عرفت حالك لكنت أولى أن يضحك منه ، فإنّك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ بيدك في القيامة على ملأ من الناس ، ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك وفرحا بخزيك ومسرورا بنصر اللّه ( تعالى ) إيّاه وتسليطه على الانتقام . أمّا الرحمة له على إثمه فهو حسد لكن حسدك إبليس فاستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك ، فيكون جبر الإثم المرحوم ، فيخرج عن كونه مرحوما ، وتنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرحوما ، إذ حبط أجرك ونقصت من حسناتك . وكذلك الغضب للّه لا يوجب الغيبة ، فإنّما حبب الشيطان إليك الغيبة ليحبط أجر غضبك وتصير معرّضا لغضب اللّه ( تعالى ) بالغيبة ، وبالجملة فعلاج جميع ذلك المعرفة ، والتحقيق بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان ، فمن قوّى إيمانه بجميع ذلك انكفّ عن الغيبة لا محالة ، فكما أنّ تلك الأسباب التي هي الباعثة على الغيبة عشرة ، فاعلم أنّ الأعذار المرخصة في الغيبة عشرة أيضا ، وهي ذكر مساءة الغير وهو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلّا به فيدفع ذلك إثم الغيبة ، وقد حصروها في عشرة أشياء : الأوّل : التظلم ، فإنّ من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا ، أمّا المظلوم من جهة القاضي فله أن يظلم إلى من يرجو منه إزالة ظلمه ، وينسب القاضي إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقّه إلّا به ، وقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لصاحب الحقّ مقال » ، وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مطل الغني ظلم » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مطل الواجد يحلّ عقوبته وعرضه » . الثاني : الاستعانة على تغير المنكر وردّ العاصي إلى منهج الصلاح ، ومرجع الأمر في هذا إلى القصد الصحيح ، فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما . الثالث : الاستفتاء ، كما تقول للمفتي : قد ظلمني أبي أو أخي ، فكيف طريقي في الخلاص ؟ والأسلم هنا التعريض بأن يقول : ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه ، وقد روي أنّ هندا قالت للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : إنّ أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي أفآخذ من غير علمه ؟ فقال : « خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف » ، فذكرت الشحّ والظلم لها ولولدها ، ولم يزجرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ كان قصدها الاستفتاء .